الأبشيهي

477

المستطرف في كل فن مستظرف

وحكى بعضهم قال : دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعراً فقلنا له : أحسنت فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال ألمثلي يقال أحسنت ففررنا منه فقال : أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وإن أنا أسأت فقولوا أسأت . فرجعنا إليه فأنشد يقول : [ من البسيط ] لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو * وحملوها وسارت بالدمى الإبل وقلبت بخلال السجف ناظرها * يرنو إلي ودمع العين ينهمل وودعت ببنان زانه عنهم * ناديت لا حملت رجلاك يا جمل يا حادي العيس عرج كي أودعهم * يا حادي العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقض مودتهم * يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا فقلنا له : ماتوا . فقال : والله وأنا أموت ! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه الله تعالى : [ من البسيط ] لما علمت بأن القوم قد رحلوا * وراهب الدير بالناقوس مشتغل شبكت عشري على رأسي وقلت له * يا راهب الدير هل مرت بك الإبل فحن لي وبكى رق لي ورثى * وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل إن الخيام التي قد جئت تطلبهم * بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا وقال الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي رحمه الله تعالى : [ من البسيط ] ما رحلوا يوم ساروا البزل العيسا * إلا وقد حملوا فيها الطواويسا من كل فاتكة الألحاظ مالكة * تخالها فوق عرش الدر بلقيسا إذا تمشت على صرح الزجاج ترى * شمساً على فلك حجر إدريسا أسقفه من بنات الروم عاطلة * ترى عليها من الأنوار ناموسا وحشية ما لها أنس قد اتخذت * في بيت خلوتها للذكر ناموسا إن أومأت تطلب الإنجيل تحسبهم * قساقساً أو بطاريقاً شماميسا